26 نوفمبر 2008 - 16.45:47
'فقهُ الاتجاهِ الواحد'.. 'لِيه كِدَه يا شيخ يعقوب؟!'
وهذا الفقه لا يرى إلا ما تنتجه منهجيته وعقليته، فهو لا يستطيع أن يتخيل أن الله قد خلق عقولا لباقي الناس، ولا يتصور أن لدى الآخرين منهجيات في البحث تُوصِل إلى غير ما وصل إليه، لذلك تراه يتحدث بتعال، ويكتب بفوقية، وكذلك كان الشيخ يتحدث بلغة حاسمة وكأن القول الذي سيذكره هو القول الوحيد، والشروط التي سيقررها هي الشروط التي لا خلاف عليهابقلم إبراهيم العسعسالشيخ محمد حسين يعقوب علمٌ من أعلام الدعوة إلى الله في زمن الناس هذا. وفضلُ الرجل مُستفيض، كذا نحسبه والله حسيبه، وهو يقفُ على ثغرة في نشر أصول أهل السنة والدفاع عنها، وهو صاحبُ قاعدةٍ جماهيريةٍ عريضة رضِيَتْهُ بينها وبين ربِّها، ولا عجب فالرجلُ أنْهكَ ثلاثين حجةً من عمره في الدعوة إلى الله، أسألُ الله عز وجل أنْ يأجُره على ما قدَّم وبذل، وأن يُسامحنا وإياه على تقصيرنا. وهذه واحدة، لا بُدَّ منها بين يدي ما أريدُ الحديثَ عنه، لأنها مقتضى الإنصاف الذي لا بُدَّ أن يتحلَّى به المسلمُ فضلاً عن أهل العلم. وهي من بعدُ قاعدةٌ من قواعد الكلام في أهل السابقة والفضل، حيث لا يُؤتى على تاريخهم فيُهدم عليهم من أساسه، ذلك أنَّ الأصل فيما يصدر عن هؤلاء أنَّ له ولو شبهة دليل، قبلتهُ أم رفضته حكاية ثانية، تصونه عن أن يُتهم في دينه. أمَّا الثانية، فكلُّ ما سبق لا يعني أكثر من الإعذار، وعدم التفسيق أو التخوين، دعك من التكفير! أما التخطيء والتشنيع، إن لزم، فأمرٌ آخر، وحقٌّ من حقوق أهل العلم، بل وواجب عليهم خاصة إن كان المردود عليه ممن تحصُل الفتنةُ بكلامه كالشيخ محمد يعقوب مثلاً! وإذن فليعذُرْنا محبو الشيخ إنْ ألجَأنَا كلامٌ له إلى الردِّ عليه، كلامٌ لو وجدنا له فسحةً من عذر لفعلنا، ولو وجدنا له مكاناًً تحت بند: (مَشِّيها له)، لفعلنا ولو "دفشاً"! أمَا وقد قطع عذرَنا فلا مَهرب من الردِّ عليه، إذ الحقُّ أحبُّ إلينا، فغرضنا الدفاع عن أمة بِرُمَّتها، ومنهجٍ كامل يراد تشويهه بقصد، كما يفعل مريدو الإفساد، وبغير قصد كالشيخ يعقوب مثلا! وكلامُ الشيخ المَعنيُّ بكلِّ ما سبق، هو بعضُ ما تضمَّنه شريطُه الموسوم: "الفرق بيننا وبين الشيعة"، وقد كنت أتوقع عندما ذهبت إليه، بناءً على طلبٍ من أحد الأخوة، أن أجد فيه علماً وحشداً من النقول عن أهل العلم، كما عودنا الشيخُ في كثير من محاضراته، ولكن خاب توقعي، وإذا المحاضرة خُلوٌ من التحقيق والدقة، وهي أقرب ما تكون إلى "سواليف الحصيدة"، كما نقول عندنا! أو "أهو كلام والسلام" على طريقة الشيخ في كلامه! فالشيخ في هذه المحاضرة يُدردِش أكثر منه يحاضر، ويصيد ما يَعِنُّ على خاطره، ولا يُحقِّـق ما يقتضيه علمُه! وهذه ـ وللأسف ـ طريقةٌ رائجة في هذه الأيام، ينتهجها كثير من الوعاظ! أصل موضوع الشريط عن الشيعة بمناسبة ما حدث في لبنان في الصيف الماضي، وفيه تنبيه من ضرورة عدم الاغترار بما جرى، ثم عرَّج الشيخ ـ وليته ما عرَّج ـ إلى الجهاد في فلسطين وأفغانستان والعراق، مُنبهاً إلى أنَّ الذي يجري فيها ليس جهادا لعدم توفر شروط الجهاد التي نصَّ عليها العلماء "الجهاد مش لعبة، له ضوابط، له أصول، لذلك الحماس وحده لا يكفي، والقناعة العقلية وحدها لا تكفي!"، هكذا قال الشيخ، الحماس وحده لا يكفي، والقناعة العقلية وحدها لا تكفي !! طيب يا سيدي الحماس وحده لا يكفي، آمنا وسلمنا لك، فما بال القناعة العقلية التي لا تكفي!!! ألا تتكون القناعة العقلية لدى "البني آدم من دراسة الأصول؟ أم أنها تحصل بعد أكل الفول؟!!". ألم أقل لكم؟ كلام الشيخ في هذا الشريط وساوس وتسالي، وإذن فستُقدِّرون موقفي إن قلت لكم بأنه ذكرني بأسلوب وكلام العقيد القذافي!!! ولتتأكدوا اقرؤوا: يقول الشيخ بأن من يجاهد في العراق يجاهد حتى يرجع صدام حسين!!! فهل قال أحد من هؤلاء بأنه يجاهد لذلك؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ويقول الشيخ عن الذين قاتلوا وقتلوا: ما فعل هؤلاء الذين أهلكوا أنفسهم؟ وأنا أقول وهل يجاب على مثل هذا السؤال؟!، لا جواب، دعها بلا تعليق! وأغلب ما في الشريط على هذا المنوال، فلا نضيع أوقاتكم في ذكره، ولكنني أريد أن أقف عند قضيتين وردا في كلامه: الأولى: ذكره لشروط الجهاد التي اشترطها العلماء: "أنا بتكلم دلوقتي في الفقه بقى" يا لطيف، كلام مخيف، اربطوا الأحزمة سنهبط عند الشافعي! ومن أجل أن الشيخ "حيتكلم في الفقه بقى"، ولأنه كلام قد يبهر المستمع له فيقتنع، فلا بد من معرفة الفقه الذي سيتكلم فيه الشيخ! ذكر الشيخ أن العلماء حددوا شروط الجهاد وهي : راية، وأمير، ودار منعة، وعدد مظنة الغلبة، وتمايز الصفوف. نعم ذكر بعض العلماء ـ وليس كل العلماء، ولاحظ الفرق ـ هذه الشروط، وهي شروط محل تفصيل وأخذ ورد، ونقاش وتحقيق، ولا تقال هكذا في درس على الواقف، كما هو درس الشيخ يعقوب، ألم يقل بأن المسألة: مش لعبة، وأنها دين. ونحن نقول بل هي كذلك. وهذا هو الفقه الذي توعد به الشيخ المستمعين! وبطبيعة الحال لن نناقش هنا كل هذه الشروط، فلا يتسع المقال، لكل هذا المقال، ويكفي لردها أنها شروط ـ عند من أخذ بها ـ جهاد الطلب، لا جهاد الدفع! وكفى الله المؤمنين القتال! ومع ذلك سأقف عند شرط واحد منها، هو شرط الأمير، الذي يصر عليه أصحاب: فقه الاتجاه الواحد! وقد ظهرت علامات هذا الفقه في حديث الشيخ. وهذا الفقه لا يرى إلا ما تنتجه منهجيته وعقليته، فهو لا يستطيع أن يتخيل أن الله قد خلق عقولا لباقي الناس، ولا يتصور أن لدى الآخرين منهجيات في البحث تُوصِل إلى غير ما وصل إليه، لذلك تراه يتحدث بتعال، ويكتب بفوقية، وكذلك كان الشيخ يتحدث بلغة حاسمة وكأن القول الذي سيذكره هو القول الوحيد، والشروط التي سيقررها هي الشروط التي لا خلاف عليها: "أنا بتكلم دلوقتي في الفقه بقى"، يعني وغير ذلك هراء وعبث، أنا "الفقه" هكذا بالاستغراق الذي لا يُبقي لغيرهم شيئا! وهذا الفقه يمسك بتلابيب نص أو قول ويجول فيه ويصول، وهذا إن حَسُنَ في كثير من النصوص فإنه لا يحسُن في جميعها، وهذا مالا يدركه أصحاب هذا الفقه، فهم مُقَوْلَبون يحفظون القاعدة ويطبقونها أينما حلَّوا، وكيفما اتفق! وهذا ليس عن جهل منهم، وليس لأنهم لم يقرؤوا ولم يطلعوا، على العكس فهم أنضاء قراءة، وقوارض كتب ! ولكنها عقلية انطبعت على مثال معين ودون اختراقها والتفاهم معها خرط القتاد! وإلا فماذا تقول في ابن حزم رحمه الله، أليس فقيها؟ بلى إنه لعالم، ولكن ظاهريته تسرح به أحيانا فيأتي بما يستجلب الضحك والعجب، فالبول في الماء الراكد لا يجوز، لكن إن بال في شيء وألقاه فيه فلا حرج! والألباني علامة هذا العصر ومحدثه رحمه الله، حضره أحد الأخوة من طلبة العلم في مجلسه، فسئل رحمه الله عمن يولد وأصابعه ملتصقة، والطب تقدم فهل يجوز فصلها بعملية جراحية؟ قال الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأنه تغيير لخلق الله سبحانه، وهو لا يجوز بنص الكتاب! وزيادة في إقناع من لم يفهم من الجالسين أورد الشيخ الدليل الذي يقطع كل خطيب! ألم يكن الله قادرا على خلقه طبيعيا؟ هل يجرؤ أحد على أن يقول غير: بلى! إذن حرام! أقول ـ العبد الفقير وليس الشيخ ـ: ومن لوازم هذا القول أنَّ كلَّ غرف الخداج في المستشفيات بدعة ضلالة، ترتكب الحرام، وتعتدي على إرادة الله سبحانه! أما من وُلد وقلبُه مثقوب ـ كما يحدث أحياناً ـ فله اللهُ على طريقة الشيخ، وبالطبع: "راحت" على السبعاوي ـ أي من يولد في سبعة أشهر ـ ومن يُولد وعنده اصفرار، لهما الرحمة ولأهلهما الصبر والسلوان! نعود إلى شرط وجود الأمير لصحة الجهاد، فنقول: لم يفرق الشيخ في حديثه بين نوعي الجهاد اللذين نص عليهما أهل العلم الذين ينقل عنهم! لماذا؟ لا أعرف! مع أنه تفريق مذكور في نفس المراجع التي نقل عنها الشروط! وتثبيت التفريق ينقض كل الشروط التي ذكرها وينتهي البحث، ويبدو ضعف ما ذكره الشيخ. ولكن لا باس من ذكر ما ذكره أهل العلم، فقد نصوا رحمهم الله على أن جهاد الدفع، وهو إذا ما نزل الكفار بلداً من بلاد المسلمين، تختلف أحكامه عن جهاد الطلب، وهو جهاد الدعوة ونشر الإسلام، فالشروط التي شَرَطُوها لجهاد الطلب لا محل لها في جهاد الدفع. قال ابن تيمية رحمه الله ـ وهو حبيب الشيخ ومصدر من مصادره الأساسية ـ: "وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الإمكان" (الاختيارات الفقهية: 39). إن من أعجب العجب اشتراط الأمير، أو إذن الأمير في جهاد الدفع، فعلى المسلمين وِفق هذا الشرط أن ينتظروا مجيئه إن كان غائباً، وانتظار إذنه إن كان رافضاً أو "عميلاً"! وبهذا تصبح بلاد المسلمين أرخصَ البلاد، ويجعل احتلالها أسهل من احتلال بلاد الهندوس! وما أجمل منظر المجاهد الذي يُلقي سلاحه لعدم الإمام، ويترك بلاد المسلمين فريسةً سهلةً للمُحتلِّين، وينطلقُ يتعبد اللهَ بجهاد المسلمين المتدينين المبتدعين الضالين عن نهج "فقه الاتجاه الواحد"، ولا يكتفي بل يذهب يهزأ بالمجاهدين الذين يُهلكون أنفسهم! ويموتون على ضلالة! ما أجمل منظره في أعين المحتل، لا جرم أنه ومن يُفتيه قُرَّةُ عينه، ولا عجب أن يكون أهمَّ عنده من كلِّ طائراته ودباباته! ونعود إلى جهاد الدفع، الذي هو واقعُ جهاد المسلمين اليوم، ما الذي قاله عنه العلماء ؟ ننقل بعضه إبراءً للذمَّة، وتبليغاً لقومنا. قال النووي رحمه الله: "قال أصحابُنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أنْ ينزل الكفارُ ببلد المسلمين فيتعيَّنُ عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية" (شرحه على مسلم: 8ـ 63 / 64). وقال ابن قدامة رحمه الله: "إذا جاء العدوُ صار الجهاد عليهم فرضَ عين، فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلف عنه" (المغني 9 / 179). وبيِّنٌ من كلام الشيخين أنَّ بلاد المسلمين كلَّها في ميزان الشرع بمنزلة واحدة! فماذا عن المساكين! الذين يُهلكون أنفسهم بلا فائدة! يقول شيخُك شيخُ الإسلام رحمه الله: "الفتنةُ أكبرُ من القتل، أي أنَّ القتل وإن كان فيه شرٌّ ومفسدة ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه" (الفتاوى: 8/ 355). وإليك نصٌّ أوضح في عدم اشتراط العلماء لوجود الإمام قال ابن قدامة رحمه الله: "فإنْ عُدم الإمام لم يؤخَّر الجهاد، لأنَّ مصلحته تفوتُ بتأخيره"، (المغني: 1 / 374). هذا عن كلام العلماء نقلناه، لأن الشيخ "بيتكلم دلوقتي في الفقه بقى"! فمن أين جاء أهل العلم بهذا الحكم؟ روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قصة تأمير خالد t في مؤتة، بقرار من الصحابة الموجودين معه، ودون إذن النبي r ... الخ القصة المعروفة (ح 363 وح 4262). قال ابن حجر رحمه الله تعليقا على الحديث: "وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير، قال الطحاوي: هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلاً إذا غاب الإمام يقوم مقامه على أن يحضر" (الفتح 7 / 586). وليس هذا فحسب، فهذا مذهب البخاري رحمه الله، فقد بوب في صحيحه للحديث فقال: "باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف"، أنظر كتاب الجهاد والسير ح 363. هذا هو فهم العلماء، وهو الحري بهم، فحاشاهم أن يبيحوا بلاد المسلمين حتى يحضر الأمير أو يرضى! حاشاهم لأنهم لم يكونوا من أصحاب: فقه الاتجاه الواحد! وأحمد الله، أحمد الله كثيرا بلا ملل ولا كلل، أن لم يكن الشيخ يعقوب حاضرا في مؤتة، إذن لرفض أن يبايع خالدا، ولاشترط تبليغ النبي r أولا ثم بعد ذلك سيجاهد تحت إمرته، ولجلس أثناء ذلك هو ومن يتبع رأيه يدرسون حكم ضجعة الفجر بينما خالد وصحبه يُسحقون تحت سنابك خيل الروم! لا تعجبوا من توقعي فإنني أكاد أجزم أن لو وجدوا حينها لفعلوا ذلك! وأما الملاحظة الثانية التي لفتت انتباهي في كلام الشيخ، فهي ضربه على وتر المصرية، فالشيخ حفظه الله متضايق من أن الشباب المصري عاطفي، "يضحك" عليه كل الناس مستغلين عاطفته! وهذا أمر أزعجني فعلا، فهو لا يليق بالشيخ، وقد كنت أسمع الشريط وأتعجب من فقه الشيخ، وقلت لا باس شريط تحفة اسمعه وأضحك، حتى بدأ الشيخ يلحن على وتر المصري، فَلقِسَت نفسي (أي اشمأزت)، وقلت بدأ الشيخ يسرح، فهو يقول: أنت تروح ليه، هو يعمل اللي عاوزه الخ .. من هذا الكلام الذي لا داعي له. وقد مرَّ بك في كلام الفقهاء أنَّ بلاد المسلمين بمنزلة واحدة! وبعد، فهذا ما يسر الله، وسمحت النفس به ردا على ما سرح به الشيخ وسولف، ولا داعي للإطالة، فغيره لا يستحق التعليق عليه.
رخصة النشر (Syndication)
هذه المقالة لا تتوفر على تعليق لحد الآن...